محمد الغزالي
28
فقه السيرة ( الغزالي )
رسول معلم كانت الإشاعات قد فاضت بين أهل الكتاب الأولين أن نبيّا قد اقترب ظهوره ، ولهذه الإشاعات ما يبرّرها ، فإن عهد الناس بالرسل أن يتتابعوا فلا تطول فترة الانقطاع بين أحدهم والاخر ، وكثيرا ما تعاصر المرسلون فجمعتهم أقطار واحدة أو متجاورة ، ولكن الأمر تغيّر بعد عيسى عليه السّلام فكادت المئة السادسة تتم بعد بعثته ، ولما يأت نبي جديد . فلما اكتظّت الأرض بالمفاسد والضلالات زاد التطلّع إلى مقدم هذا المصلح المرتقب ، وكان هناك رجال ممن ينكرون الجهالة السائدة يستشرفون للمنصب الجليل ، ويتمنّون لو اختيروا له ؛ منهم : ( أمية بن أبي الصلت ) الذي حفل شعره بالتحدّث عن اللّه وما يجب له من محامد ، حتى قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيه : « كاد أمية أن يسلم » « 1 » . وعن عمرو بن الشريد ، عن أبيه : ردفت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما ، فقال : « هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء ؟ » قلت : نعم ؟ قال : « هيه » ، فأنشدته بيتا ، فقال : « هيه » ، حتى أنشدته مئة بيت « 2 » . غير أن القدر الأعلى تجاوز أولئك المتطلّعين من شعراء وناثرين ، وألقى بالأمانة الكبرى على رجل لم يتطلّع إليها ولم يفكر فيها : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ( 86 ) [ القصص ] . إن الاصطفاء للرسالات العظيمة ليس بالأمل فيها ، ولكن بالطاقة عليها . وكم في الحياة من طامحين لا يملكون إلا الجرأة على الأمل ، وكم من راسخين يطويهم الصّمت ، حتى إذا كلّفوا أتوا بالعجب العجاب .
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه مسلم : 7 / 49 ؛ وابن ماجة : 2 / 410 ، من حديث أبي هريرة ، وأخرجاه أيضا من حديث ابن الشريد ، وهو تمام الحديث الآتي بعده . ( 2 ) حديث صحيح ، أخرجه مسلم وابن ماجة .